مدرسة الأحلام

مدرسة الأحلام

إكمالية حي شيخي *** باتنة ***
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» المُحَرِّك الكهربائي
الإثنين مارس 17, 2014 4:59 am من طرف sousou dk

» ملخصات مادة التريخ سنة 1ثانوي علوم
الإثنين مارس 17, 2014 4:53 am من طرف sousou dk

» ملخصات مادة التريخ سنة 1ثانوي علوم
الإثنين مارس 17, 2014 4:52 am من طرف sousou dk

» تلوث الهواء
الإثنين مارس 17, 2014 4:49 am من طرف sousou dk

» ملخصات مادة التريخ سنة 1ثانوي علوم
الأربعاء فبراير 19, 2014 5:49 am من طرف sawsan

» ملخصات مادة التريخ سنة 1ثانوي علوم
الأربعاء فبراير 19, 2014 5:49 am من طرف sawsan

» ملخصات مادة التريخ سنة 1ثانوي علوم
الأربعاء فبراير 19, 2014 5:45 am من طرف sawsan

» الموضوع السادس المقترح لشهادة التعليم المتوسط اللغة العربية
الجمعة فبراير 07, 2014 11:33 am من طرف sawsan

» الموضوع الخامس المقترح لشهادة التعليم المتوسط اللغة العربية
الجمعة فبراير 07, 2014 11:33 am من طرف sawsan

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
sousou dk
 
nounou
 
justin bieber
 
didi
 
nanou
 
vinil akriliku
 
karim
 
جمال2011
 
أسيل ريان
 
أمير الأوراس
 

شاطر | 
 

 شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
karim
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar


مُساهمةموضوع: شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)   السبت يناير 23, 2010 4:45 pm

ثلاثةُ الأُصُول([1]) .
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أنَّه يَجِبْ عَلَينَا تعلُّمَ أربعِ مسائلَ([2]):
(الأولى ) : العِلمُ ([3]) ، وهو معرفةُ اللهِ
،...

________________________________________
[justify][b]([1]) هذه رسالة مهمة في العقيدة ألفها الشيخ أبو عبد الله الإمام محمد بن عبد
الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي الإمام المشهور المجدد لِما
اندرس من معالم الإسلام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر ـ رحمه الله
وأكرم مثواه ـ .

وقد كان ـ رحمه الله ـ يلقن الطلبة والعامة هذه الأصول ليدرسوها ويحفظوها ، ولتستقر في قلوبهم لكونها قاعدة في العقيدة .
وكانت
وفاته سنة ست ومائتين وألف من الهجرة . وكان مولده سنة خمس عشرة ومائة
وألف من الهجرة ، فقد عمَّر إحدى وتسعين سنة . وقد كان عمرا مليئا بالخير
والدعوة إلى الله والتعليم والإرشاد والصبر على ذلك . وقد أنقذ الله به
العباد والبلاد في زمانه في هذه الجزيرة ، وانتشرت دعوتُه في غير الجزيرة
من الشام ومصر والعراق والهند وغيرها ، بسبب الدعاة الذين حملوا عنه العلم
وانتقلوا إلى تلك البلدان والدول ، وبسبب المكاتيب والكتب التي انتشرت منه
ـ رحمه الله ـ ومن أتباعه وأنصاره والدعاة التابعين له في الدعوة إلى الله
.

([2]) هذه المسائل يجب أن يتعلمها المؤمن والمؤمنة صغارا وكباراً.

([3]) فعلى الإنسان أن يتعلم ويتبصر حتى يكون على بينة ، ويعرف دين الله
الذي خلق من أجله . وهذا العلم هو معرفة الله ، ومعرفة نبيه ، ومعرفة دين
الإسلام بالأدلة ؛ فهذا أول شيء : أن يتبصر العبد ؛ من هو ربه ؟ فيعرف أن
ربه الخالق الذي خلقه ، ورزقه ، وأسدى إليه النعم ، وخلق من قبله ، ويخلق
من بعده ، هو رب العالمين ، وأنه الإله الحق المعبود الذي لا يستحق
العبادة سواه أبدا . لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا جن ، ولا إنس ، ولا
صنم ، ولا غير ذلك.

بل العبادة حق لله وحده ، فهو المعبود بحق ، وهو المستحق بأن يعبد ، وهو رب العالمين ، وهو ربك وخالقك وإلهك الحق سبحانه وتعالى .
فتعرف
هذه المسألة الأولى : وهي أن تعرف ربَّك ونبيَّك ودينَك بالأدلة ـ قال
الله وقال الرسول ـ لا بالرأي ولا بقول فلان ، بل بالأدلة من الآيات
والأحاديث ، وذلك هو دين الإسلام الذي أنت =

مأمور بالدخول فيه ،
والالتزام به . وهو عبادة الله الذي قال فيها سبحانه وتعالى : { وَمَا
خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } . هذه العبادة هي
الإسلام ، وهي طاعة الله ورسوله ، والقيام بأمر الله وترك محارمه . هذه هي
العبادة التي خلق الناس لأجلها وأمر الله بها الناس في قوله : { يَا
أيُّها النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } يعني اعبدوه بطاعة أوامره واجتناب
نواهيه ، وإسلام الوجه له وتخصيصه بالعبادة سبحانه وتعالى .

ومعرفة نبيه([1])، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
(الثانية): العمل به([2]).
(الثالثة) : الدعوة إليه([3]).
(الرابعة): الصبر على الأذى فيه([4]).

[b]________________________________________

([1])
ومن ذلك أن تعرف نبيك وهو محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي
المكي ثم المدني ـ عليه الصلاة والسلام ـ فتعرف أنه نبيك وأن الله أرسله
إليك بدين الحق يعلمك ويرشدك فتؤمن بأنه رسول الله حقا وأن الله أرسله
للعالمين جميعا من الجن والإنس ، وأن الواجب اتباعه ، والسير على منهاجه .
وسيأتي تفصيل هذا في الأصل الثالث من الأصول الثلاثة .


[b]([2]) أي أن
تعمل بهذا الدين من صلاة وصوم وجهاد وحج وإيمان وتقوى فتعمل بالإسلام ؛
لأنك مخلوق له ، ومخلوق لعبادة الله ؛ فعليك أ ن تعلم وتعمل به فتعبد الله
وحده ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، وتؤمن
بالله وملائكته ورسله وكتبه وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، وتأمر
بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتبر والديك ، وتصل الأرحام ، إلى غير ذلك
فتعمل بما أمرك الله به ، وتنتهي عما نهاك الله عنه ، وتترك المعاصي التي
أنت منهي عنها ، وتفعل الواجبات التي أنت مأمور بها .

([3]) أي أن
تدعو إلى هذا الدين فتنصح الناس بأن يستقيموا عليه ، وترشدهم وتأمرهم
بالمعروف وتنهاهم عن المنكر . هذه هي الدعوة إلى دين الإسلام . فعلى كل
مسلم أن يدعو إلى الله حسب طاقته وعلمه . فكل واحد ـ رجل أو امرأة ـ عليه
قسط من هذا الواجب من التبليغ والدعوة والإرشاد والنصيحة . وأن يدعو إلى
توحيد الله ، وإلى الصلاة والمحافظة عليها ، وإلى الزكاة وأدائها ، وإلى
صوم رمضان ، وحج البيت مع الاستطاعة ، وإلى بر الوالدين ، وصلة الأرحام ،
وترك المعاصي كلها.

([4]) أي يصبر على الأذى في هذه الأشياء ، فقد
يحصل للإنسان أذى ، قد يتعب من المدعو أو غيره ، من أهله أو غيرهم ،
فالواجب الصبر واحتساب الأجر عند الله . فالمؤمن يصبر على إيمانه بالله ،
ويصبر على العمل بما أوجب الله عليه ، وترك ما حرم الله عليه ، ويصبر في
الدعوة إلى الله ، والتعليم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فلا بد
من الصبر في هذه الأمور كلها . فالدين كله يحتاج إلى صبر . صبر على دعوة
الله وحده ، وصبر على أن تصلي ، وتزكي ، وتصوم ، وتحد ، وتأمر بالمعروف
وتنهى عن المنكر ، وصبر عن المحارم والسيئات، فتحذر من قربها . فالإنسان
إذا لم يصبر ؛ وقع فيما حرم الله عليه ، أو ترك ما أوجب الله عليه . ولهذا
قال تعالى لرسوله : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أولُو الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ } . وقال سبحانه : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ
بِأَعْيُنِنَا } ، وقال تعالى: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ
} . وقال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ } . وقال تعالى : { وَاصْبِرْ إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .
يعني اصبروا على طاعة الله ، وترك معصيته . واحذروا مخالفة أمره وارتكاب
نهيه .

والدليل([1]) قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: {
وَالْعَصْرِ ـ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ ـ إِلَّا الَّذِينَ
آَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } .

قال الشافعي([2]) ـ-رحمه الله تعالى-: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم([3]) .

[b]________________________________________

([1])
وهذا هو الدليل على هذه المسائل الأربع : ففي هذه السورة العظيمة الحجة
لهذه الأمور ، وهذا هو الدين كله . فالدين كله إيمان وعمل ودعوة وصبر .
إيمان بالحق وعمل به ودعوة إليه وصبر على الأذى فيه ، والناس كلهم في
خسارة { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } الآية :
أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر ،
فهؤلاء هم الرابحون ، وهم السعداء . وقد أقسم الله على هذا بقوله : {
وَالْعَصْرِ } وهو الصادق سبحانه وتعالى وإن لم يقسم ، ولكن أقسم لتأكيد
المقام . والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه ، فلا أحد يتحجر عليه
، فأقسم بالسماء ذات البروج ، وأقسم بالسماء والطارق ، وبالضحى وبالشمس
وضحاها ، وبالليل إذا يغشى ، وبالنازعات ، وغير ذلك ؛ لأن المخلوقات تدل
على عظمته ، وعلى أنه سبحانه هو المستحق للعبادة ولبيان عظم شأن هذه
المخلوقات التي تدل على وحدانيته وأنه المستحق للعبادة وحده . وأما
المخلوق فليس له أن يقسم إلا بربه ، فلا يقسم ولا يحلق إلا بالله ، ولا
يجوز له أن يحلف بالأنبياء ، ولا بالأصنام ، ولا بالصالحين ، ولا بالأمانة
، ولا بالكعبة ، ولا بغيرها . هذا هو الواجب على المسلم ؛ لقول النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ : " من حلف بشيء دون الله فقد أشرك " أخرجه الإمام
أحمد بإسناد صحيح . وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : " من كان حالفا فليحلف
بالله أو ليصمت " .= =فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من الحلف بغير
الله وأن تكون أيمانهم كلها بالله وحده سبحانه وتعالى .


([2])
الشافعي : هو الإمام المشهور ، أحد العلماء الكبار ، وأحد الأئمة الأربعة
، وهو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ، المولود سنة خمسين ومائة ، وتوفي
سنة أربع ومائتين .

([3]) يقول- رحمه الله- : لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم ، وفي رواية :
"
لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم " ؛ أي لو نظروا فيها وتأملوا فيها
لكانت كافية في إلزامهم بالحق ، وقيامهم بما أوجب الله عليهم ، وترك ما
حرمه عليهم ؛ لأن الله بين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق
وتواصوا بالصبر هم الرابحون ، ومن سواهم خاسر ، وهذه حجة قائمة على وجوب
التواصي ، والتناصح ، والإيمان والصبر ، والصدق ، وأنه لا طريق للسعادة
والربح إلا بهذه الصفات الأربع : إيمان صادق بالله ورسوله ، وعمل صالح ،
وتواص بالحق ، وتواص بالصبر

وقال البخاري([1]) -رحمه الله تعالى-: (باب) العلم قبل القول والعمل ، والدليل : قوله تعالى :
{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } ؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل .
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلمـ - رحمك الله - أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل([2]) الثلاث والعمل بهن :
(الأولى) : أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً ([3]) ..

[b]________________________________________

([1])
البخاري : هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، من بخارى
في الشرق الأوسط . ولد سنة أربع وتسعين ومائة ، في آخر القرن الثاني ،
ومات سنة ست وخمسين ومائتين في وسط القرن الثالث . كان عمره اثنتين وستين
سنة . وهو صاحب الصحيح ، وله مؤلفات أخرى عظيمة نافعة ـ رحمه الله ـ .
يقول : باب : العلم قبل القول والعمل ؛ لقول الله سبحانه : { فَاعْلَمْ
أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ } ؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل .
فالإنسان عليه أن يتعلم أولا ، ثم يعمل ؛ فيتعلم دينه ، ويعمل على بصيرة ،
والله أعلم .

([2]) هذه المسائل الثلاث من أهم المسائل التي تتعلق بالتوحيد وحقوقه .

([3]) الله خلق الخلق ليعبدوه فلم يخلقهم هملاً ، ولا سداً ، ولا عبثاً ،
لكنه خلقهم لأمر عظيم ، ولحكمة عظيمة فيها سعادتهم ، وفيها نجاتهم ، وهي
أن يعبدوا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ } . وهذه العبادة أمرهم الله
بها في قوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } ،
وفي قوله : { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } ، وفي
قوله : { وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ } ، في آيات كثيرة أمرهم فيها بالعبادة ، وهي توحيده جل وعلا ،
وتخصيصه بالعبادة من دعاء وخوف ورجاء وتوكل ورغبة ورهبة وصلاة وصوم وغير
ذلك . فهو المستحق للعبادة ـ جل وعلا ـ دون كل ما سواه . ويدخل في ذلك فعل
الأوامر ، وترك النواهي ؛ فأداء الأوامر التي أمرك الله بها ورسوله ، وترك
النواهي التي نهاك الله عنها ورسوله ؛ كل هذا داخل في العبادة ، وهذا هو
الإسلام ، وهو الدين ، وهو الإيمان ، وهو الهدى . فلا تصل إلا لله ، ولا
تركع إلا له ، ولا تذبح إلا له ، ولا تدع إلا إياه ، ولا تتوكل إلا عليه
إلى غير ذلك من العبادات . أما الاستعانة بحاضر قادر فيما يقدر عليه ؛
فهذا ليس بعبادة ، كما قال سبحانه في قصة موسى : { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي
مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } ؛ فإن موسى قادر على أن
يغيثه . أما دعاء الميت ، ودعاء الغائب الذي لا يسمع كلامك ، أو دعاء
الصنم أو الجن أو الأشجار ، ونحوها ؛ فهذا شرك المشركين ، وهو الشرك
الأكبر الذي قال الله فيه : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، وقال
تعالى : { وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
} ، وقال سبحانه : { إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ، وقال سبحانه : { وَلَقَدْ
أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } ، فالله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا بل أمرنا
بتوحيده وطاعته وترك معصيته .


بل أرسل إلينا رسولاً ([1]) ، فمن
أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار([2]) ، والدليل قوله تعالى : {
إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا
أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ـ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا }.

(الثانية): أن الله لا يرضى أن يشرك
معه في عبادته أحد ، لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل([3]) . والدليل قوله
تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللهِ
أَحَدًا} .

(الثالثة) ([4]) : أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له
موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب ، والدليل قوله تعالى : {
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُّؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ
يُوَادُّونَ


[b]________________________________________

([1])
وأرسل إلينا رسولا : هو محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بكل ما تقدم ، وأنزل
عليه القرآن بذلك ، لنستقيم على ما فيه من الهدى ، ونعمل بما فيه من
الأوامر ، وننتهي عما فيه من النواهي ، وعلى يد محمد رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ خاتم النبيين والمرسلين . جاء ليعلم الناس دينهم ؛ فهو خاتم
الأنبياء وإمامهم وأفضلهم .

([2]) فمن أطاع هذا الرسول واستقام على
دينه ؛ فله الجنة ، ومن عصى هذا الرسول وحاد عن دينه فله النار، كما قال
تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ }
: يعني : بأعمالكم ..= ={ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا }
، فهو مرسل ـ عليه الصلاة والسلام ـ . { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا } ؛ أي أخذنا فرعون أخذا وبيلا في الدنيا
بالغرق ، وفي الآخرة بالنار

([3]) هذه المسألة الثانية إنما هي تحقيق
للمسألة الأولى : أن تعلم أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته ،
كما أنه الخالق الرازق المحيي المميت ، الذي خلقك وأعطاك النعم ، فهو
سبحانه لا يرضى أن يشرك معه أح من الخلق ، لا نبي مرسل ، ولا ملك مقرب ،
ولا غيرهما ؛ لأن العبادة حق الله وحده ، كما قال تعالى : { وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ } ، وكما قال تعالى : {
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ؛ لأن الشرك به هو أعظم
الذنوب ، وقد جاء في الآيات الكثيرة الأمر بإخلاص العبادة لله وحده ،
والنهي عن عبادة ما سواه ن فتجمع بين أمرين : فتؤمن بأن الله هو الخالق
الرازق المحيي المميت، وتؤمن بأنه سبحانه هو المستحق للعبادة من ذبح وصلاة
وصوم وغير ذلك من العبادات ، كما قال سبحانه : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَّاحِدٌ }، وقال سبحانه: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا } .


([4]) وهذه هي المسألة الثالثة وهي من أهم الواجبات أن يعلم كل مسلم
ومسلمة أنه لا يجو له أن يوالي المشركين أو يحبهم . فكل من أطاع الله
ورسوله ووحد الله جل وعلا يلزمه أن يعادي الكفار ويبغضهم في الله ، ولا
يجوز له موالاتهم ومحبتهم لقوله تعالى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا } : أي لا
تجد يا محمد قوما أهل إيمان صادق يوادون من حاد الله ورسوله . وقال تعالى
: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن
يَّتَوَلَّهُم مِّنـْكـُمْ فَإِنَّـهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } . وقال عز وجل : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ
لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَى تُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ } . فلا بد من
البغضاء والعداوة لأعداء الله ، ومودة المؤمنين ومحبتهم

************************

مَنْ
حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ
أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ
الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ
اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }([1]) .

اعلم أرشدك ([2]) الله لطاعته أن الحنيفية ([3]) ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين.

[b]________________________________________

([1])
هكذا المؤمن يحب أولياء الله ، ويتعاون معهم على الخير ، ويكره أعداء الله
ويبغضهم ويعاديهم في الله ـ وإن دعاهم إلى الله ، وإن أقرهم في بلاده وأخذ
منهم الجزية كوليّ الأمر ؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ الجزية
من اليهود والنصارى والمجوس ـ . وأخذ الجزية منهم فيه عون للمسلمين ، لا
محبة لهم . فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا مع القدرة . وهذا خاص بأهل
الكتاب والمجوس . أما بقية الكفار فلا تقبل منهم الجزية ، بل يقاتلون حتى
يدخلوا في الإسلام كالوثنيين والشيوعيين وغيرهم من أصناف الكفرة مع القدرة
على ذلك ؛ لقول الله سبحانه : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
لله } ، وقوله سبحانه : { انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَّكُمْ إِنَّ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، وقوله سبحانه : { فَإِذَا
انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ
مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . والآيات في هذا
المعنى كثيرة . ومراده سبحانه مع القدرة على ذلك ؛ لقوله عز وجل : { لَا
يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ، وقوله سبحانه : {
فَاتَّـقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } الآية . ولأنه ـ صلى الله عليه
وسلم ـ لم يقاتل المشركين حتى قوي على ذلك . ثم قال تعالى في آخر الآية :
{ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ
مِّنْهُ } ؛ أي قواهم بقوة منه .

([2]) قال ـ رحمه الله ـ : اعلم أرشدك الله لطاعته ، جمع ـ رحمه الله ـ بين التعليم والدعاء .

([3]) الحنيفية ملة إبراهيم ، وهي أن تعبد الله مخلصا له الدين ، وهي التي
قال الله فيها لنبيه : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } . فالحنيفية هي الملة التي فيها الإخلاص
لله وموالاته ، وترك الإشراك به سبحانه . والحنيف هو الذي أقبل على الله ،
وأعرض عما سواه ، وأخلص له العبادة ؛ كإبراهيم وأتباعه، وهكذا الأنبياء
وأتباعهم .

وبذلك أمر الله ([1]) جميع الناس ، وخلقهم لها ، كما قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }
ومعنى
يعبدون : يوحدوني ، وأعظم ما أمر الله به : التوحيد ([2]) ، وهو إفراد
الله بالعبادة ، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه ([3]) ،
والدليل قوله تعالى : { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ
شَيْئًا } .

فإذا قيل لك : ما الأصول الثلاثة ([4]) التي يجب على
الإنسان معرفتها ؟ فقل : معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدا -صلى الله
عليه وسلم-.

فإذا قيل لك ([5]): من ربك؟ فقل ([6]) : ربي الله الذي
رباني وربى جميع العالمين بنعمته ، وهو معبودي ، ليس لي معبود سواه .
والدليل ([7]) قوله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .

وكل من سوى الله ([8]) عالم ، وأنا واحد ([9]) من ذلك العالم .

فإذا قيل لك ([10]) : بم عرفت ربك ؟ فقل([11]) : بآياته ومخلوقاته ، ومن
آياته الليل والنهار والشمس والقمر ، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون
السبع ومن فيهن وما بينهما.

والدليل قوله تعالى : { وَمِنْ آَيَاتِهِ
اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }([12]).

وقوله تعالى ([13]): {
إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ
النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }.

والرب : هو المعبود([14]) . .

والدليل قوله تعالى ([15]) : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ـ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ
بِنَاءْ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }.

قال ابن كثير ([16]) -رحمه الله تعالى - : الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة .

وأنواع العبادة ([17]) التي أمر الله بها ، مثل الإسلام والإيمان والإحسان
ومنه الدعاء ، و الخوف ([18])، والرجاء والتوكل ، والرغبة والرهبة والخشوع
والخشية والإنابة والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة والذبح والنذر وغير
ذلك من العبادة التي أمر الله بها ، كلها لله . والدليل قوله تعالى : {
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَدًا } .


فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر ، والدليل قوله تعالى ([19]) :
{ وَمَن يَّدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
} .

وفي ([20]) الحديث : " الدعاء مخ العبادة " ، الدليل قوله تعالى
: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } .

ودليل ([21]) الخوف قوله تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ }.

ودليل ([22]) الرجاء قوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ
رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ
رَبِّهِ أَحَدًا } .

ودليل التوكل ([23]) قوله تعالى : { وَعَلَى
اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } ، { وَمَن يَّتَوَكَّلْ
عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } .

ودليل ([24]) الرغبة والرهبة
والخشوع قوله تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ } .

ودليل الخشية قوله تعالى : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي } الآية .

ودليل
الإنابة ([25]) قوله تعالى : { وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُواْ لَهُ } الآية .ودليل الاستعانة ([26]) قوله تعالى : {
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وفي الحديث : " إذا استعنت
فاستعن بالله " .

ودليل الاستعاذة ([27]) قوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } وقوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ }

ودليل الاستغاثة ([28]) قوله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } الآية .ودليل الذبح قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ
صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ـ
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }
ومن السنة : " لعن الله من ذبح لغير الله " .

ودليل النذر([29]) قوله تعالى : { يُوْفُوْنَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } .

________________________________________
([1])
قال : وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها ؛ فأمرهم بالتوحيد والإخلاص ،
وخلقهم ليعبدوه ، وأمرهم بأن يعبدوه وحده في صلاتهم ، وصومهم ، ودعائهم ،
وخوفهم ، ورجائهم ، وذبحهم ، ونذرهم ، وغير ذلك من أنواع العبادة ، كله
لله ، كما قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا
إِيَّاهُ } ، وقال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وقال
سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } . هذه العبادة
هي التي خلق لها الناس ، خلق لها الثقلان وهي توحيد الله ، وطاعة أوامره ،
واجتناب نواهيه ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونَ } : يعني يوحدوني في العبادة ، ويخصوني بها ، بفعل
الأوامر ، وترك النواهي إلى غير ذلك من الآيات .

([2]) وأعظم ما أمر
الله به التوحيد . وهو إفراد الله بالعبادة فتقصده بالعبادة دون كل من
سواه ، فلا تعبد معه صنما ولا نبيا ولا ملكا ولا حجرا ولا جنيا ولا غير
ذلك .

([3]) الشرك دعوة غيره معه ، وقد قال سبحانه : { وَلَوْ
أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، وقال سبحانه
: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ،
وفي (الصحيحين) : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل : أيُّ الذَّنْبِ
أعظم ؟ قال : أنْ تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك . قيل : ثم أيّ ؟ قال : أن
تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك . قيل : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة
جارك " . فبين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الشرك أعظم الذنوب وأشدها
وأخطرها . وفي الحديث الآخر يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ألا أنبئكم
بأكبر الكبائر . قلنا : بلى يا رسول الله ! قال : الإشراك بالله" . الحديث
متفق عليه . فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة . والشرك : هو دعوة غير الله
مع الله . تدعوه أو تخافه أو ترجوه أو تذبح له أو تنذر أو غير ذلك من
أنواع العبادة . هذا الشرك الأكبر سواء كان المدعو نبيا أو جنيا ، أو شجرا
أو حجرا أو غير ذلك ، ولهذا قال تعالى : { وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } ، فــ {شَيْئًا } : نكره في سياق النهي ، فتعم
كل شيء ، وقال سبحانه : { وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، فأعظم ما أمر الله به التوحيد ، وهو إفراد
الله بالعبادة . وأعظم ما نهى الله عنه هو الشرك بالله عز وجل ، كما تقدم
. ولهذا أكثر سبحانه وتعالى في القرآن من الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك
.

([4]) هذه الأصول الثلاثة تجمع الدين كله من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وهي التي يسأل عنها العبد في قبره.
([5]) فإذا سأل سائل فقال : من ربك ؟

([6]) فقل : ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته . وهو معبودي
، ليس لي معبود سواه . هذا رب الجميع ، كما قال : { الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ } . والعالمون : جميع المخلوقات كلهم عالمون ـ الجن
والإنس والبهائم والجبال والأشجار ـ كلها عالم . قال تعالى : { إِنَّ
رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ
بِأَمْرِهِ ، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ } ، فهو رب الجميع له الخلق وله الأمر وهو المستحق بأن يعبد
؛ ولهذا قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }
الآية .. وهو معبودي ليس لي معبود سواه .

([7]) والدليل قوله تعالى : { الْحَمْدُلِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } : يعني الثناء كله لله ، والعبادة من الثناء ومن الحمد .
([8]) وكل ما سوى الله عالم ، من الجن والإنس والحيوانات والجبال كلها عوالم .

([9]) وأنا واحد من ذلك العالم الذي خلقه الله وأوجده وأجب عليه طاعته .
فعلى جميع العالمين من المكلفين من الجن والإنس أن يطيعوا الله ورسوله
ويوحدوه جل وعلا . وهكذا الملائكة عليهم أن يعبدوا الله وحده، ولهذا قال
تعالى عن الملائكة : { لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ } ، وقال تعالى : { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ـ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِفُونَ } ..

([10]) إذا قيل لك أيها المسلم بم عرفت ربك الذي أنت تعبده ؟

([11]) فقل : عرفته بآياته ومخلوقاته ؛ أي بآياته الكثيرة ، وبمخلوقاته
العظيمة ، التي تدل على أنه الرب العظيم، وأنه الخلاق العليم ، وأنه
المستحق لأن يعبد ، وأنه الذي يخلق ما يشاء ، ويعطي ويمنع ، وينفع ويضر،
بيده كل شيء سبحانه وتعالى ، فهو المستحق بأن نعبده بطاعته ودعائه
واستغاثته وسائر أعمالنا وعباداتنا ؛ لأن الله خلقنا لهذا . قال تعالى : {
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ } ، وهذه
العبادة هي توحيده ، وطاعته ، واتباع شريعته ، وتعظيم أمره ونهيه قولا
وعملا .

([12]) { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ } كل هذه تدل على أنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم ، يأتي
الليل بظلامه ، ويذهب النهار بضيائه ، ثم يجيء النهار ، ويذهب الليل ،
وهذه الشمس تلع على الناس في الدنيا كلها ، وينتفعون بها ، وهذا القمر
كذلك وغير هذه من الآيات العظيمة ، كالأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار
وأشجار وحيوانات . وهذه السموات التي يراها الناس ، كلها من آياته الدالة
على عظمته , وأنه رب العالمين وأنه الخلاق العليم وأنه المستحق للعبادة
ولهذا قال : { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ
لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } يعني
لا تعبدوا هذه المخلوقات ، بل اعبدوا الذي خلقها وأوجدها سبحانه وتعالى ،
فهو المستحق بأن يذل له العبد ويخضع له ، ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه
سبحانه وتعالى ، تعظيما وتقديسا له ؛ وخوفا منه ، ورغبة فيما عنده .


([13]) وقال سبحانه : { إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ } ، يعني إن ربكم أيها
العباد من الجن والإنس هو الله . وربكم يعني خالقكم ، وهو معبودكم الحق
وحده لا شريك له : { الَّذِي خَلَقَ السًّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ
أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ؛ أي ثم ارتفع على العرش ، وعلا
فوقه سبحانه وتعالى ، فعلمه في كل مكان وهو فوق العرش ، فوق جميع
المخلوقات ، والعرش سقف المخلوقات وهو أعلى المخلوقات ، والله فوقه جل
وعلا ، استوى عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته .
قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ،
وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } . وقوله : يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ، أي يغطي هذا بهذا وهذا بهذا
، { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ؛ أي سريعا ، وكل واحد يطلب الآخر ، إذا انتهى
هذا ؛ دخل هذا ، وهكذا .. حتى تقوم الساعة . { وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ }
: أي وخلق الشمس والقمر والنجوم خلقها مسخرات بأمره ، مطيعات مذللات لأمره
سبحانه . ثم قال سبحانه : { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } ، فالخلق
له والأمر له هو الخلاق الذي لا يخالف أمره الكوني الذي هو نافذ في الناس
كما قال تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَّقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } . وقوله : { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } ، فأمر الله الكوني القدري لا راد له ، ولهذا قال
: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ } . فــ { تَبَارَكَ } : يعني بلغ في البركة النهاية ، وهي
صيغة لا تصلح إلا لله ، فلا يقال للعبد تباركت يا فلان ، هذا لا يصلح ،
وإنما هو خاص بالله كما قال تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ
الْمُلْكُ } ، وإنما يقال للمخلوق بارك الله في فلان ، أو فلان مبارك ،
أما تباركت ؛ فإنها لا بصلح إلا لله وحده .

([14]) والرب هو المعبود ،
و { الْعَالَمِينَ } : المخلوقات كلها من الجن والإنس والسماء والأرض ،
وهو ربها سبحانه وتعالى ، وهو رب الجميع ، وخالق الجميع جل وعلا .


([15]) قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } : خلق
الجميع ـ الذين قبلنا ، والذين بعدنا من آدم وما قبله وما بعده ـ ، ثم قال
سبحانه : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا } الآية ؛ فهو خلق
الجميع ليتقوه ويعبدوه كما قال تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } . ثم
بين سبحانه بعض أفعاله فقال : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } ، فجعل الأرض فراشا للناس ، ومهادا لهم، عليها
يسكنون ، وعليها يبنون ، وعليها ينامون ، وعليها يمشون ، وأرساها بالجبال
، ثم قال : { وّالسَّمَاءَ بِنَاءً } فجعلها بناء وسقفا محفوظا وهم عن
آياتها معرضون ، وزينها بالنجوم والشمس والقمر { وَأَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً } ؛ أي من السحاب { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ
رِزْقًا لَّكُمْ } أنواع الأرزاق في كل مكان ويحيي الله به الأرض بعد
موتها ثم قال تعالى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ } : أي أشباها ونظراء تعبدونها معه ، لا صنما ولا جنا ولا
ملكا ولا غير ذلك . فالعبادة حق الله وحده ، ليس له نديد ولا نظير ولا
مثيل ، بل هو الإله الحق . وكان المشركون يتخذون له الأنداد والنظائر
والأمثال من الأصنام والجن والملائكة ويعبدونهم من دون الله ، ويستغيثون
بهم فأنكر الله عليهم ذلك ، وبين أن هذه المخلوقات ليس لها حق في العبادة
، ولا قدرة لها على شيء إلا بإذنه سبحانه وتقديره .

([16]) قال الحافظ
ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره : الخالق لهذه الأشياء من سماء وأرض
وثمار وأشجار ومطر وغير ذلك : هو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى ، وأن
يطاع ؛ لأنه رب الجميع ، وخالق الجميع ، كما قال تعالى : {وَإِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَّاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } .


([17]) العبادة أنواع : فمنها الإسلام بأركانه ، فلك ما أمر الله به من
أعمال الإسلام عبادة : من صلاة وصوم وغير ذلك ، وهكذا الإيمان بأعماله
الباطنة ، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان
بالقدر خيره وشره ، وكذلك الخوف والمحبة والرجاء إلى غير ذلك . فكل ما
يتعلق بالقلوب داخل في العبادة بل هو أعلى أنواع العبادة وأعظمها .
فالواجب على كل مكلف إخلاص العبادة لله وحده ، فلا يدعو مع الله الأنبياء
ولا الأولياء ولا الأصنام ولا الأشجار ولا الأحجام ولا النجوم ؛ لأن
العبادة حق لله وحده ، قال تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا
تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَدًا } . وقال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وقال تعالى : { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ
مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرَّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ
الظَّالِمِينَ } . وقال سبحانه وتعالى : { وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اللهِ
إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ
رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } ، وقال عز وجل : { ذَلِكُمُ
اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِِ مَا
يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ـ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ
دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير }
، فسمى سبحانه دعاءهم شركا ، فالواجب على جميع المكلفين إخلاص العبادة لله
وحده ، رجاء وخوفا واستعانة واستغاثة وذبحا ونذرا وخشية لله وصلاة وصوما
إلى غير ذلك ، كله لله وحده فمن تقرب لغير الله من ولي أو نبي أو صنم أو
شجر أو حجر بالدعاء أو بالذبح أو بالنذر أو بالصلاة أو بالصوم ونحو ذلك ،
فهو مشرك كافر أشرك بالله وعبد معه سواه ، كفعل المشركين الأولين من عباد
القبور وعباد الأشجار والأحجار والأصنام ، ولهذا قال عز وجل : { وَلَوْ
أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، وقال تعالى :
{ إِنَّهُ مَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } . وقال سبحانه وتعالى : { وَلَقَدْ
أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ـ بَلِ اللهَ
فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ } .

([18]) فكل هذه العبادات يجب إخلاصها لله ، ومن صرف منها شيئا لغير الله من صنم أو شجر أو حجر أو قبر فهو مشرك بالله .

([19]) لقوله تعالى : { وَمَن يَّدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا
بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } ، ولغيرها من الآيات السابقات ، وهذا دليل على
ما تقدم .

([20]) وفي الحديث : " الدعاء مخ العبادة " ، وفي لفظ آخر
: " الدعاء هو العبادة " ، وقال سبحانه : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ، فسمى الدعاء عبادة في قوله : {
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ } يعني عن دعائي .
فالدعاء هو أن يضرع إلى الله يدعوه ، ويسأله النجاة ، ويسأله الرزق ، كل
هذا عبادة . فإذا صرفها للصنم أو للشجر أو للحجر أو لميت ، صار مشركا
بالله عز وجل فيجب الحذر من الشرك كله ، دقيقه وجليله ، وأن تكون العبادة
لله وحده . لكن دعاء الحي الحاضر القادر ، والاستعانة به في الشيء المقدور
عليه ، لا بأس به ولا يعتبر داخلا في الشرك ؛ فلو قلت لأخيك الحاضر : يا
عبد الله ! أعنّي على قطع هذه الشجرة أو على حفر هذه البئر ؛ فلا بأس بذلك
كما قال سبحانه في قصة موسى عليه السلام: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ
شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } الآية . استغاثة الاسرائيلي على
القبطي ؛ لأن موسى عليه السلام قادر على إغاثته ، يتكلم ويسمع . أما إذا
اعتمد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله حاضرا أو غائبا أو ميتا ،
واعتقد أنه ينفع من دعاه أو يضر لا بالأسباب الحسية من الشرك بالله . كما
قال تعالى عنهم أنهم قالوا : {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ } ،
فيظنون أنهم يستطيعون بعبادتهم إياهم أن يشفعوا لهم عند الله في حصول
مطالبهم أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى . كما قال الله سبحانه عنهم في
الآية الآخرى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ
زُلْفَى } . وهذا من جهلهم وضلالهم بالشافع والمشفوع إليه . والله سبحانه
له الشفاعة جميعا ، وهو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء ، فلا يأذن بالشفاعة
إلا فيمن يرضى الله عمله ، ولا يشفع أحد عنده إلا بعد إذنه ، كما قال
تعالى : { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، وقال
تعالى : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } ، فالشفاعة لا تكون
إلا بإذنه للشافع ، ورضاه عن المشفوع فيه . وهو سبحانه لا يرضى بالشفاعة
إلا لأهل التوحيد ، كما صحَّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ـ لما
سأله أبو هريرة قائلا : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ ـ قال : "
من قال : لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه " [ أخرجه البخاري في صحيحه ] .
ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى قوله وعمله من أهل التوحيد والإيمان .

([21]) ومن ذلك الخوف وهو أقسام ثلاثة :
الأول
: خوف السر وهذا خاص بالله ؛ لأنه القادر على كل شيء وهو الذي يخاف ويخشى
. كما قال تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُم
مُّؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ } . وقال : {
فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَونِ } . فالواجب خشية الله وخوفه ؛ لأنه
مصرف القلوب ومقلبها والقادر على كل شيء ، وهو الذي ينفع ويضر ، ويعطي
ويمنع ، فالواجب تخصيصه بالخوف وألا يخاف إلا الله في كل الأمور . ولكن
خوف السر يختص به سبحانه وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصة سرية ليست
حسب الحس . ولذلك يعتقد عباد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرف في
الكون مع الله جل وعلا ، ويعتقدون ذلك أيضا في الأصنام والجن وغيرها ،
وهذا هو الشرك الأكبر ، ويعتقد فيهم أيضا أن لهم القدرة على العطاء والمنع
، وزيغ القلوب ، وموت النفوس دون أسباب حسية

الثاني : خوف الأسباب
الحسية كما قال تعالى في قصة أُحُد لما قيل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
إن المشركين قد جمعوا لكم وسيرجعون إليكم فأنزل الله في ذلك : { إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخّوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ
وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } ، فالشيطان يخوف الناس من أوليائه
، ويعظمهم في صدور الناس حتى يخافوهم ، والله يقول : { فَلَا تَخَافُوهُمْ
} ، بل اعتمدوا علي ، وأعدوا العدة ، ولا تبالوا بهم ن كما قال تعالى : {
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ } ، وهذا الخوف الحسي
لا بأس به لكن الخوف القلبي خوف السر هذا هو المنهي عنه أما الخوف الحسي ،
مثل أن يخاف اللص أو السارق أو العدو ، فيعد العدة من السلاح اللازم كل
هذا لا بد منه ولهذا قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
خُذُواْ حِذْرَكُمْ } ، وقال سبحانه في قصة موسى لما خرج من مصر خائفا من
فرعون وقومه : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ؛ فإن هذا الخوف
خوف حسي لا بأس به لكن لا يجوز خوف العدو خوفا يمنع من جهاده ، ونصر الحق
، وإنما يحمله هذا الخوف على الإعداد للعدو وأخذ الحذر .

الثالث :
الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان وهذا لا حرج فيه مثل خوف الإنسان
الحية والعقرب والسبع ، فيتباعد عنها ويقتلها ويتباعد عن مظنة السباع حتى
لا يتأذى بها . هذا أمر لا بد منه . والله جبل الناس على الخوف مما يؤذي
حتى يتحرز منه ؛ يخاف البرد فيلبس الثياب الغليظة ، ويخاف من الجوع فيأكل
، ويخاف العطش فيشرب . هذه أمور طبيعية لا بأس بها .

([22]) وهكذا
الرجاء عبادة لله فيرجو الله ويحسن به الظن كما قال تعالى : { فَمَنْ
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } . فالرغبة إليه ، ورجاء ما عنده ؛
عبادة له سبحانه وتعالى ، قال تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ
فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا
خَاشِعِينَ } . فالرغب : الرجاء . الرهب : الخوف . وكلاهما : عبادة . وعلى
العبد أن يحسن ظنه بربه ، ويعمل بالأسباب الشرعية . وإن الظن الحسن مع
الأخذ بالأسباب يعود على العبد بالخير وبالرحمة وبدخول الجنة وبمغفرة
الذنوب .

([23]) وهكذا التوكل عبادة ، وهو التفويض إلى الله ،
والاعتماد عليه في كل الأمور مع الأخذ بالأسباب . فتعتمد على الله في
السلامة من الشر ، والعافية من الفتن ، وحصول الرزق ، وفي دخول الجنة ،
والنجاة من النار ، مع الأخذ بالأسباب المشروعة ، قال تعالى : { وَعَلَى
اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى : { وَمَن
يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } : يعني كافيه .

([24])
وهكذا الرغبة والرهبة والخشية من الله كل هذه عبادات . قال تعالى عن
الأنبياء والصالحين : { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ } يعني :
خائفين يخشون ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sousou dk
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)   السبت مارس 19, 2011 6:55 am

شكرا اخي

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://school-of-dreams.ahlamontada.com
didi
عضو مجتهد
عضو مجتهد
avatar


مُساهمةموضوع: رد: شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)   السبت مارس 19, 2011 3:01 pm

استغرق الامر وقتا لاطلع على هذا
شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sousou dk
مديرة المنتدى
مديرة المنتدى
avatar


مُساهمةموضوع: رد: شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)   الأحد مارس 20, 2011 2:39 am

المهم استفدت
شكرا مرة اخرى

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://school-of-dreams.ahlamontada.com
جمال2011
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar


مُساهمةموضوع: رد: شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)   السبت يونيو 25, 2011 10:01 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح الاصول الثلاث (الاصل الاول)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدرسة الأحلام :: قسم تفاعلي :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: